خرجت تمشى فى شوارع المدينة الكبيرة ..من رصيف إلى رصيف ..
جسدها النحيل يرتعد بشدة من البرد ..ضئيلةٌ كانت ..ذات جسم لا يضاهى
من هم فى مثل سنِّها ..تشعر بالجوع الشديد ..لا تدرى متى كانت آخر مرة أكلت فيها
وماذا أكلت وأين ؟؟ لعل ذلك كان منذ زمن بعيد ..الجوع يمزق أحشاءها ويَفُتُّ فى
أعضاءها فلا تقوى على المسير ..تستند إلى جدار حتى تسترد بعضا من قواها
الغائبة ..لا تعرف من أين أتت أو إلى أين هى ذاهبة لا تذكر من ماضيها إلاَّ وجه أمها
وثديها حين كانت تُرضعها ..أما غير ذلك فهو خيالات فى حنايا الذاكرة التى على ما يبدو
قد أصابها بعض الخلل ..لا تعرف من تولَّى تربيتها بعد أمها ..لا تعرف من أبوها ..
لم تخبرها أمها شيئا عنه قبل رحيلها فى حادث مشئوم ..لعلها إبنة أحد هؤلاء الذكور
الذين تعج بهم المدينة الكبيرة ..أو لعلها ابنتهم جميعا ..لا يهم ..ما يهم الآن هو الحصول
على الطعام مهما كان الثمن ..ورددت العبارة الأخيرة بينها وبين نفسها مرة أخرى فى
تصميم ..مهما كان الثمن ..كانت تحمل جمالا بريئا يظهر للعيان رغم ضربات القدر
وحالها الرث المتسخ ..تلمح على البُعْد صندوقا للقمامة على الجانب الآخر من الطريق ..
تتجه إليه بكل ما أوتيت من قوة تجترها من ضعفها الواضح ..علَّها تجد به بقايا من فضلات طعام أحد الناس ..أستأكل من
القمامه ؟؟ لا يهم ..فالمهم الآن أن تأكل ..وَمَضَتْ فى ذاكرتها المهترئة صورة لها فى مكان نظيف رائع ..
تأكل أطعمة نظيفة فاخرة فى جو عائلى مريح ..من هم هؤلاء الناس ؟؟ لا
تدرى ؟؟ أين هم ولماذا تركوها فى هذا التيه ؟؟ لا تدرى ..
عبرت الشارع ولم تلحظ إحدى السيارات المسرعة التى كادت أن تصدمها لولا سرعة
بديهة السائق الذى تفاداها فى اللحظة الأخيرة ومضى وهو يلعنها بشتائمه وبوق سيارته
المزعج. ما أدهشها أن أحدا من الناس لم يزعجه ما قد حدث لها من ثوان ..فلم يركض
إليها أيٌ منهم مطمئنا عليها أو مخففا لها من وطأة الموقف أو مهنئاً لها بالنجاه من هذا
الحادث ..لا يهم ..المهم أنها وصلت إلى صندوق القمامة ..عندما نظرت بداخله لم تجد
الا قصاصات خشب وحديد صدئ ..وهنا أصابها الإحباط فى مقتل ولم تعد تقوى على
الوقوف ..إرتكنت إلى جدار قريب وهى خائرة القوى وبدأت تشعر أن الأرض تدور
بها ..ثم أحسَّت بيدٍ تمسك بها وترفعها إلى صدر ضمها فى حنان ..وسمعت صوتا يقول:
الله ..ما أحلاكِ من قطة ..سوف آخذكِ معى إلى البيت وأُسْميكِ نانسى.. كانت هذه أخر
عباره سمعتها نانسى وهى تشعر بدفء صوف ملابس السيدة ودفء صدرها قبل أن
تذهب فى غيبوبتها ..
الجمعة, 14 نوفمبر, 2008
مع إشراقة يوم جديد
يحيى زكريا
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








